|
من وحي الإجازة حديث مع
المبتعثين "إن في التجربة لعبرة"
د. محمد بن أحمد الرشيد
صحيفة الرياض
الجزء الأول ، الثلاثاء 24 ذي
القعدة 1428 هـ - 4 ديسمبر 2007م - العدد 14407
http://www.alriyadh.com/2007/12/04/article298971.html
اجتمعت في
إجازاتي الماضية المتعددة مع عدد من شبابنا
المبتعثين للدراسة الجامعية والعليا وأصر علي
كثيرون في مرات عدة أن أتحدث لهم عن
تجربتي مع الدراسة في أمريكا، وهي تجربة تختلف
في زمنها، وظروفها عن تجربة طلاب
الحاضر، وفي كل مرة استجبت لهم وتحدثت طويلاً
ناصحاً وموجهاً، وحين عدت من الإجازة
الأخيرة أتحفني الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالرحمن
الخريف بأن بعث لي بمقالة سبق لي
نشرها في مجلة المبتعث التي تصدر من الملحقية
الثقافية السعودية في واشنطن، ووجدت
أنها مطابقة إلى حد كبير لتلك النقاط التي أتطرق
لها في تلك اللقاءات مع شبابنا
السعودي. أورد بتصرف وتحديث بعض ما جاء في تلك المقالة:
"ترى ماذا
سيكون في تجربة طالب سعودي، درس في إحدى الجامعات بالولايات المتحدة
الأمريكية في الستينات من القرن الماضي، أقول
ماذا سيكون في تجربته من خبرة تفيد
الطلاب السعوديين الآخرين المبتعثين في العقد
الأول من القرن الحادي والعشرين! سؤال
أثار في نفسي تأملات كثيرة تذكرت تلك الأيام
الخوالي حين ساقني القدر إلى جامعة
إنديانا مزهواً ببعثتي حالماً بتحقيق آمالي..
كانت الصعوبات أمام مثلي كثيرة تمثلت
فيما تحدثه النقلة الحادة المفاجئة من هزات
نفسية أحياناً وحضارية أحياناً أخرى:
مجتمعان مختلفان في القيم والسلوك مع انغلاق كل منهما
عن الآخر.
وفي ظني أن الفارق بين ظروف
المبتعثين في الحقبتين كبير.. فالفجوة الزمنية ليست
في اطراد متواز مع الفجوة الحضارية، غادرت بلدي
في الستينات إلى الدنيا الجديدة كما
كان جيلي يسميها أنئذ والتفت حولي مبهوراً بكل
شيء غريب وجديد من عمران ونماء وتقدم
علمي وتقني ومؤسسات تربوية وجامعات عملاقة
ووسائل إعلام ووسائل نقل جبارة ومطارات
ضخمة وطرق واسعة ومبان شاهقة تناطح السحاب
وحدائق ومنتزهات عامة وصناعات وشبكات
اتصال ومواصلات كلها لم أعهدها ولم أسمع عنها
ولم أقرأ حولها من قبل إلا قليلاً. لم
يكن لي تجربة في أي منها، لقد كانت تعجبني
وأتعجب منها في آن واحد وكانت تسلبني
أحاسيسي، وحتى أقرب الصورة للقارئ فإنني لم أُجر
اتصالاً هاتفياً واحداً بيني وبين
أهلي في الرياض طيلة سنوات البعثة الست، وغيري
على شاكلتي كثير.. هكذا كنا نحن
آنذاك! واليوم حين يصحبني ابني وحفيدي ابن
العاشرة وابن الخامسة عشرة من العمر وابن
العشرين بل والطفل الصغير فماذا عساه يكتشف في
هذه البلاد، في الدنيا الجديدة؟ يأتي
الشاب اليوم من السعودية إلى مقر بعثته في
الولايات المتحدة الأمريكية، قادماً من
مدينته ذات الشوارع الواسعة النظيفة والحدائق
الغناء والمباني الجديدة الجميلة،
يستعمل الهاتف ويشاهد التلفاز والفيديو ويتعامل
مع الحاسب الآلي وكل منتجات الحضارة
الحديثة، رأى جامعات بلده وعرف الخدمات الطبية
وإمكانات مصحات وطنه ومستشفياته قبل
الابتعاث قرأ عن هذه البلاد - أمريكا - واستعرض
أفلاماً تنقل بعض وقائعها والحقائق
عنها، وسمع عن مدنها وما فيها، أصبحت دنيانا
كلها قرية صغيرة يعرف الداني عن القاصي
الكثير كما يعرف القريب عن البعيد.
وهنا ينبغي أن أنبه إلى ملاحظات
عدة:
أولها: إنني لا أقلل هنا من قدر
إمكانات الولايات المتحدة الأمريكية الحالية وما
تحققه من قفزات علمية وتقنية، لكنني فقط أشير
إلى الجوانب المادية المحسوسة التي
يشعر بها الفرد العادي الذي لا يحتاج النفاذ إلى
الأعماق.
وثانيها: أنني بالمقابل لا أغالي
فيما حققه وطني ولا أقارن بين واقع المملكة
العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية
فهذا لم يكن وارداً على البال، وحتى
إن ورد ذلك على البال فليس من العدل والإنصاف أن
تجري هذه المقارنة، فبلدي حديث
العهد بالتنمية بل بالتعليم الرسمي نسبياً ولكن ما حققه
بلدي - المملكة العربية
السعودية - في هذه المدة كان إنجازاً عظيماً قلما تحقق
مثله في ظروف تشابه ظروفنا،
غير أن طموحنا يدفعنا إلى المزيد من العمل لدفع عجلة
التطور قدماً إلى الأمام.
وثالث ملاحظاتي: هو أنني أحذر
كثيراً من الوقوع في خطأ التقدير وعدم التوازن
فالولايات المتحدة الأمريكية بلد يقطنه أكثر من
ثلاثمائة مليون من البشر، ومن الخطأ
في القول والظن أن نراهم جميعاً بمنظار السوء،
أو أن نراهم الأسوياء أو الأمثل أو
الأعظم من بين الشعوب جميعاً، والحقيقة تقتضي
بأن ندرك أن فيما حققته أمريكا الكثير
من الإيجابيات التي علينا أن نأخذ بها بحكم
إسلامنا وبحكم أن الحكمة ضالة المؤمن
أنى وجدها فهو أحق الناس بها وكما يقول ابن
قتيبة: "ولن يزري بالحق أن تسمعه من
المشركين ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين،
ومن ترك أخذ الحسن من موضعه أضاع
الفرصة والفرصة، تمر مر السحاب".
وعلينا في هذا الصدد أن نستقي
أسباب العزة والمنعة والرقي، وهناك زلل وسوء سلوك
وممارسات خاطئة علينا أن نتجنبها، وأن نعتبر
منها في هذا التجنب.
أما الحديث عن البعثة والتجربة
التي مررت بها فحديث يطول وأخشى أن أقع فيما
ينبغي أن أحظره على نفسي أو أن أفرض على القارئ
تجربة شخصية لا تكون مهمة لأحد
سواي، وعوضاً عن ذلك سأستعرض أموراً كثيرة قد يجدها
المبتعث جديرة بالاهتمام
والتأمل دونما ادعاء لنفسي أو أزعم أنني في السنوات
الست التي قضيتها مبتعثاً هنا
في أمريكا، كنت على هذا المنهج الذي تبينه الأسطر
القليلة التي سطرتها أدناه:
أولاً: على المبتعث أن يدرك أن
الفرصة التي أتيحت له للدراسة هنا في امتياز
مكنته حكومته من التمتع به على افتراض أنه من
النخبة المتفوقة والفئة القليلة
المؤهلة فكرياً، والمستعدة علمياً لمواصلة
الدراسات العليات في الخارج، وهذه الفرصة
مكافأة له ليروي ظمأه من نهل المعرفة والتزود
بالخبرة الجديدة وحتى يكسب من
المعلومات ما ينمي به ذاته ويعمق مجال تخصصه. وهذه
الفرصة إذن فرصة فريدة لا تتهيأ
إلا لنفر قليل ونسبة مئوية ضئيلة من الناس،
وعليه لذلك أن يكون على مستوى المسؤولية
وأن يتصرف طبقاً لهذا المفهوم إذ أن الوطن في
حاجة إليه وفي حاجة إلى مساهماته
البناءة، وليدرك أن بلده ينشد العزة ويسهر على
تحقيقها له، ولكل مواطن، وكل خطط
التنمية في المملكة تضع شعاراً لها لا تحيد عنه
أبداً هو "التنمية تستهدف الإنسان
وتحقق أهدافها بالمواطن" وعلى كل مبتعث أن يجد
طريقه السوي في هذه المعادلة
المنصفة.
ثانياً: ليدرك الدارس في جامعات
أمريكا وفي غيرها من البلدان الأخرى أن الإنسان
لا يستطيع الإحاطة بكل أنواع المعارف والإلمام
بتفاصيل الثقافة كلها، وبالمقابل
ينبغي على المتعلم استيعاب مجال تخصصه وهضمه
جيداً والوقوف على كل جديد فيه حتى
يتمكن من المتابعة بعد العودة كما يحتاج إلى
تعمق في دراسته وغوص في مضمارها
وفروعها ومع ذلك، فلكي يكون مواطناً منتجاً عليه
أن يلم بقسط من الثقافة العامة
تمكنه من التعامل مع الآخرين. وحتى أبسط هذه الفكرة لك
أخي المبتعث أقول: إن
المهندس البارع لا يكفي أن يكون مهندساً بل عليه أن
يكون كذلك واعياً بالعوامل
الأخرى التي به يحسن التصرف في مجتمعه وفي المجتمعات
الأخرى، وهذا هو الفرق بين
الإنسان والآلة فإذا كانت الآلة تؤدي مهمتها بعد
برمجتها فإن الإنسان أكبر من ذلك
إذ هو بجانب إسهامه في مجال تخصصه، عضو فاعل في
بلده، فهو أب وهو ولد وهو أخ وزميل
وذو مواقف وآراء تتعدى المهنة ولا يوفر له تخصصه
وحده التعامل مع هذه الحقائق دونما
ثقافة عامة ومعلومات أولية ومعتقدات راسخة نتيجة
قراءاته العامة وتأملاته
الطويلة".
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
من وحي الإجازة حديث مع
المبتعثين "إن في التجربة لعبرة"
الجزء الثاني الثلاثاء 1 ذي الحجة
1428 هـ - 11 ديسمبر 2007م - العدد 14414
http://www.alriyadh.com/2007/12/11/article300697.html
أواصل
الكتابة في موضوع مقالتي الأسبوع الماضي، عن اجتماعاتي في إجازاتي الماضية
المتعددة مع عدد من شبابنا المبتعثين للدراسة
الجامعية والعليا والتي تحدثت لهم
فيها عن تجربتي مع الدراسة في أمريكا، وهي تجربة
تختلف في زمنها، وظروفها عن تجربة
طلاب الحاضر، وفي كل مرة ألتقي بالطلاب أتحدث
طويلاً ناصحاً، وموجهاً، ولقد وضحت في
مقالة الأسبوع الماضي كيف كنا في عشر الستينيات
من القرن الميلادي الماضي، وكيف
حالنا اليوم في العقد الأول من القرن الحالي
(الحادي والعشرين)، وكشفت أن الفجوة
الزمنية ليست في إطراد متواز مع الفجوة
الحضارية، وبعبارة أكثر وضوحاً فإني لا أجد
أن الطالب السعودي المبتعث إلى الولايات المتحدة
الأمريكية سيجد جديداً لم يألفه في
بلاده وخاصة من معطيات العصر، يأتي الشاب اليوم
إلى مقر بعثته في أمريكا قادماً من
مدينته ذات الشوارع الفسيحة النظيفة، والمباني
الجديدة، يستعمل الهاتف، ويشاهد
التلفاز، ويتعامل مع الحاسب الآلي، وكل منتجات
الحضارة الحديثة، وهذا لم يكن متاحاً
لجيلي على الاطلاق. ثم نبهت إلى ملاحظات عدة
يأتي في مقدمتها: عدم المغالاة في
التقليل من قدر امكانات الولايات المتحدة
الأمريكية أو تضخيمها، أو فيما حققه وطننا
من تقدم وتطور، وعدم التعميم في وصف الناس بل
وجوب النظرة الفاحصة العادلة والحكم
على الأشياء بإنصاف وموضوعية، وبعد ذلك بدأت في
تعداد أمور قد يجدها المبتعث جديرة
بالاهتمام والتأمل وتتلخص في أهمية: أولاً أن
يعرف المبتعث أن الفرصة التي أتيحت له
هي امتياز عليه أن يستثمره في الحصول على خبرة
وعلم يفيد بها مجتمعه، وثانياً أن
يعي أهمية التعمق في دراسة تخصصه ثم الإلمام
بأمور حياتية، وثقافية تمكنه من أن
يكون إنساناً، ومواطناً صالحاً وواعياً.
@@@@
وفي مقالتي اليوم أتطرق إلى الجزء
المتبقي من الأمور التي أثيرها مع المبتعثين
إلى الولايات المتحدة الأمريكية حين ألتقي بهم
في مدن ابتعاثهم طالباً منهم تأملها
والاهتمام بها، فبجانب ما ذكر في أولاً،
وثانياً، فإنه ينبغي ألا يغيب عن بال
المبتعث:
ثالثاً: أن كل التجارب تبين أن
الشرط اللازب لتحقيق التفوق في مجال الدراسة يكمن
في الإلمام الكامل باللغة التي يدرس بها الطالب،
كما أن التجارب تكشف أن نسبة كبيرة
ممن تعثروا كان سبب تعثرهم هو عدم صرفهم الوقت
اللازم لمعرفة اللغة، واللغة
الإنجليزية من بين أكثر اللغات الحية شيوعاً في هذا
الزمان، وهي اللغة العلمية التي
يكتب بها معظم المؤلفين والكتاب، ويسجلون بها
الاكتشافات والمخترعات وهي فرصة لنا
جميعاً لأن نستوعبها، وأن يكون سهلاً علينا أن
نقرأها وأن نكتب بها، وتبين
الإحصاءات أن ما يقرب من 60% مما يكتب في مجال العلم
والنشر كافة يُكتب باللغة
الإنجليزية.
@@@@
رابعاً: أن المبتعث في هذه البلاد
"أمريكا" هو سفير لبلده، ويوجب عليه الوفاء
للوطن أن يكون في سلوكه وانضباطه وتصرفه على
شاكلة يعتز بها الوطن ورمزاً يتبين منه
مواطنو البلد المضيف سمو أخلاق العرب والمسلمين.
والواجب يقضي بأن يعرف كل منا أن
كل أخلاق العرب والمسلمين. الواجب يقضي بأن يعرف
كل منا أن كل خطواته في البعثة
محسوبة عليه وعلى وطنه، ولا أريد أن أقف موقف الواعظ من
فوق هذا المنبر، فالتجربة
فيها الكثير من التوجيه والإرشاد، ولست أحمّل الأمور
أكثر مما تحتمل لكنني أعرف
وطأة الانطباع الأول وأثره، ويكفي أن نقرأ ما يكتب حين
يوصف أبناء الوطن كلهم بوصف
واحد نتيجة تصرف واحد من أبنائه!!
@@@@
خامساً: أنه ينبغي على المبتعث
السعودي أن يدرك أن هناك تحديات كثيرة تواجه أمته
العربية والإسلامية وأن الشائع في هذه البلاد عن
الأمة هو ما طبعته الثقافة العامة
التي استقاها معظم أفراد الشعب الأمريكي مما
كتبه الخصوم ونشره الأعداء، وهو انطباع
في معظمه خاطئ ليس فيه الإنصاف الذي ينبغي
للمسلمين، ويحتوي معلومات مغلوطة، ففيه
تجاهل للواقع العربي والإسلامي، وغمط للإسهام
العظيم لأمة في الحضارة الإنسانية
المعاصرة وسوء فهم للقيم العظيمة والمبادئ
المتميزة التي نمارسها، ونبني عليها
حياتنا، وهذا يجعل المهمة على كل واحد من
المبتعثين صعبة والتحدي أكبر ويلزم
للمبتعث أن يعمل على مقابلة هذا التحدي، وهو
قادر على ذلك بمشيئة الله وتوفيقه ثم
بالإرادة القوية والعمل الدؤوب.
@@@@
سادساً: أن الولايات المتحدة
الأمريكية هي القوة العظمى في هذا العالم وأثرها في
مجريات الأحداث العالمية كبير، ولا مندوحة عن
التعرض لتأثيرها السياسي والاقتصادي
على كل قطر من أقطار الدنيا وبخاصة دول العالم
الثالث ونحن في تعداده، لذلك لزم
علينا أن نعرف هذه القوة وتركيبتها السياسية
والاقتصادية والاجتماعية لأن معرفة
الشيء المسبب عنصر أولي للقدرة على التعامل معه،
وهذا يتطلب من المبتعث ألا يكون
وجوده في البعثة مقصوراً على منزله ومعمله وفصله
الدراسي والمكتبة فحسب، بل عليه
كذلك أن لا يعيش معزولاً عن فهم هذه المؤسسة
المعقدة ليرى مكامن التأثير والأثر،
وليجد الطريق الذي يسهم من خلاله بتوجيهه ودفعه
نحو مواقف أكثر عدلاً وإنصافاً
لقضايانا.
@@@@
سابعاً: ثم أنه يقضي الصدق مع
النفس والإخلاص مع أبناء الوطن أن يكرر على
مسامعهم مقولة يعرفها معظمهم وتحتاج إلى تطبيق
منهم جميعاً ألا وهي: "أسهل الطرق
للحصول على المؤهل العلمي ليست بالضرورة أفضلها"
وأزعم أن من تحمل العبء في الغربة
وأنفقت عليه بلاده من دخلها الوطني لا بد وأن
يبرهن القيمة الحقيقية لذلك العبء
والمال والمردود الوافر لهما.
@@@@
ثامناً: العلم بأن الولايات
المتحدة الأمريكية بلد مفتوح على العالم جميعه
ووسائل الإعلام فيه من أكثر الوسائل فاعلية
وأكثرها قدرة على تغطية الأحداث المحلية
والعالمية وتحليلها بطرائقهم الخاصة، والمعلومات
فيه متاحة والنشر ميسر، ويجد
المتتبع سيلاً متدفقاً من المعلومات لا مثيل له، غير
أنه ينبغي الحذر في قبول كل ما
يذاع وينشر، ولا جدال في أن كثيراً من الأهواء والميول
السياسية بل والأيديولوجية،
إضافة إلى المصالح الذاتية المادية والمعنوية، عوامل
تحدد النهج الذي تبرز فيه
الأحداث، وتفسر به الوقائع وتلون بألوان تقتضيها أمزجة
المحللين وتوجهاتهم.
@@@@
تاسعاً: أن من بين الخصائص الكثيرة
التي تتميز بها بلاد الغرب عامة والولايات
المتحدة الأمريكية بخاصة الدقة في التخطيط
والتنظيم وأداء العمل وتقويمه، والنظرة
إلى الوقت وتقدير أهميته والفلسفة المتطورة
للتعليم، وهي أمور يحسن بالمبتعث تأملها
ويجدر بنا أن نستعيد تلك الخصائص التي كانت ولا
تزال ضمن موروثاتنا.
ويجمع علماء الإدارة على أن
المؤسسات الأمريكية العام منها والخاص هي من أفضل
الأنماط إدارة.. وأكثرها سلاسة وأقلها عقداً
وأكثرها انضباطاً في العصر الحديث،
والإحساس بالوقت وإدراك قيمته لا بد وأن يثير
التساؤل عندنا أفراداً وجماعات.
ونتساءل: في هذا الصدد هل الوقت في
مفهومنا مقدس إذ أن أعمارنا هي عمر الأمة
بأكملها، وهل ننفق هذا الوقت بتخطيط دقيق وحكمة
بالغة؟ ويبدو أن الغالبية العظمى من
أهل الفكر والريادة في هذا المجتمع ينظرون إلى
الوقت بحساسية فائقة واهتمام بالغ،
على النقيض من ذلك الإحساس المتبلد الخامد
المشوش والضائع لدى كثير من أبناء
المجتمعات النامية عموماً. هل آن لنا أن نعتبر؟
إن فلسفة التعليم تنطلق من مقدمة
تنص على أن "محبة العلم والتعلم سابقة على
تعليمه"، وهكذا يتضح أنه لا بد من الرغبة
الدافعة للاستكشاف لدى الفرد حتى يتحقق النجاح
وبلوغ المراد.
ثم إن التعليم ليس تلقيناً وحفظاً
للنصوص، بل هو في أكثره بحث واستنتاج وخدمة
للمجتمع، والذهن - كما يراه علماء النفس - ليس
وعاءً صامتاً نسكب فيه ما نريد فيمسك
به، بل الذهن متحرك ديناميكي يفكر ويبحث ويستوعب
المعاني التي يفهمها. وليتذكر معي
القارئ المثل الصيني الأصل "خير لي أن تعلمني
الصيد.. فأصطاد لنفسي من أن تطعمني كل
يوم سمكة". وهذا المثل تمارسه الجامعات
الأمريكية المعتبرة إذ أن مهمة أستاذ
الجامعة بل والمعلم في المدرسة تكمن في تعليم
المتعلم كيف يصطاد السمك بنفسه لا أن
يقدم له وجبة سمك فحسب، ولذلك فإن الكثير من
المقررات ليس لها كتاب محدد وليس لها
مذكرات يمليها الأستاذ على الطلاب لحفظها، ومن
ثم كانت المكتبة والمعمل ركيزتين
أساسيتين في كل مؤسسة تعليمية.
@@@@
عاشراً: وأخيراً.. فإن المبتعث بعد
أن ينهي دراسته ويستعد للعودة للوطن لا بد
وأن يكون على بينة من أنه يحتاج إلى مضاعفة
الجهد في إثبات قدراته وأن يعي أهمية ما
عند الآخرين من فكر، وعليه أن يدرك أن طموحاته
لن تتحقق بين يوم وليلة بل عليه
التسلح بالصبر ومضاعفة الإخلاص للعمل، وعليه أن
لا يغالي في التباهي بمؤهله العلمي،
ويتوقع أن يحتل كرسي المسؤولية الأولى في مجاله
.. وكثيراً ما رأيت خيبة أمل كثير
من العائدين بعد الابتعاث، فتصوروا أن كلمتهم
ينبغي أن تكون مطاعة وأن لا يُردَّ
لهم رأي، وغاب عنهم أن الحكمة والخبرة تكمنان في
العمل الجاد الدؤوب بعد الدراسة،
وأن العبرة الحقيقية تكمن في نتيجة الجهد وليست
فيما يهبه الآخرون من الفضل.
@@@@
لست أزعم شمول ما كتبت ولا أدعي
أنه أمر سهل المنال غير أنني رأيت أن أضع بعض
رؤوس أقلام في هذا الأمر الجليل تقترب من الصورة
المثلى التي ينبغي السعي إليها،
والقرب من الأمثل خير من غيابه عن الذهن.
@@@@
ووصيتي الأخيرة في ختام هذا الحديث
هي كلمة مأثورة لعمر بن عبدالعزيز رضي الله
عنه وأرضاه فليدركها كل منا ويضعها نصب عينيه
لما لها من فائدة في مستقبل حياة
المبتعث بعد عودته للوطن واضطلاعه بالعمل ذلك
القول المأثور هو: "من عمل في غير علم
كان ما يفسده أكثر مما يصلح".
لعل ما سطرته منذ مدة، وكررته -
بعد تحديث معلوماته - على مسامع بعض مبتعثينا
الحاليين يكون ذا بال وفائدة.
@@@@
وفقنا الله جميعاً إلى الخير
والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم
اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمِدَنا يا ربنا
بتأييد من عندك وتسديد.
|